فصل: تفسير الآية رقم (204)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير القرآن العظيم ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏191 - 198‏]‏

‏{‏أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ‏}‏

هذا إنكار من الله على المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، من الأنداد والأصنام والأوثان، وهي مخلوقة لله مربوبة مصنوعة، لا تملك شيئا من الأمر، ولا تضر ولا تنفع، ‏[‏ولا تنصر‏]‏ ولا تنتصر لعابديها، بل هي جماد لا تتحرك ولا تسمع ولا تبصر، وعابدوها أكمل منها بسمعهم وبصرهم وبطشهم؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ‏}‏ أي‏:‏ أتشركون به من المعبودات ما لا يخلق شيئًا ولا يستطيع ذلك، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏73، 74‏]‏ أخبر تعالى أنه لو اجتمعت آلهتهم كلها، ما استطاعوا خلق ذبابة، بل لو أستَلبتهم الذبابة شيئا من حَقير المطاعم وطارت، لما استطاعوا إنقاذ ذلك منها، فمن هذه صفته وحاله، كيف يعبد ليرزق ويستنصر‏؟‏ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏{‏لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ‏}‏ أي‏:‏ بل هم مخلوقون مصنوعون كما قال الخليل‏:‏ ‏{‏قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ ‏[‏وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ‏]‏ ‏[‏الصافات‏:‏95، 96‏]‏ ثم قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا‏}‏ أي‏:‏ لعابديهم ‏{‏وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ‏}‏ يعني‏:‏ ولا لأنفسهم ينصرون ممن أرادهم بسوء، كما كان الخليل، عليه الصلاة والسلام، يكسر أصنام قومه ويهينُها غاية الإهانة، كما أخبر تعالى عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ‏}‏ ‏[‏الصافات‏:‏93‏]‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏58‏]‏ وكما كان معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن جبل، رضي الله عنهما -وكانا شابين قد أسلما لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة -فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين يكسرانها ويتلفانها ويتخذانها حطبا للأرامل، ليعتبر قومهما بذلك، ويرتئوا لأنفسهم، فكان لعمرو بن الجموح -وكان سيدًا في قومه -كان له صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعَذِرة، فيجيء عمرو بن الجموح فيرى ما صنع به فيغسله ويطيبه ويضع عنده سيفا، ويقول له‏:‏ ‏"‏انتصر‏"‏‏.‏ ‏[‏ثم‏]‏ يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضا، حتى أخذاه مرة فقرنا معه جرو كلب ميت، ودلَّياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ورأى ذلك، نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل، وقال‏:‏

تَالله لو كُنتَ إِلَها مُسْتَدن *** لم تَكُ والكَلْبُ جَمِيعًا في قَرنْ

ثم أسلم فَحسُن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدًا، رضي الله عنه وأرضاه، وجعل جنة الفردوس مأواه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ ‏[‏سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ‏]‏‏}‏ يعني‏:‏ أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، وسواء لديها من دعاها ومن دحاها، كما قال إبراهيم‏:‏ ‏{‏يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏42‏]‏‏؟‏

ثم ذكر تعالى أنها عبيد مثل عابديها، أي‏:‏ مخلوقات مثلهم، بل الأناسي أكمل منها، لأنها تسمع وتبصر وتبطش، وتلك لا تفعل شيئا من ذلك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ‏}‏ أي‏:‏ استنصروا بها علي، فلا تؤخروني طرفة عين، واجهدوا جهدكم‏!‏ ‏{‏إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نزلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ‏}‏ أي‏:‏ الله حسبي وكافىّ، وهو نصيري وعليه متكلي، وإليه ألجأ، وهو وليي في الدنيا والآخرة، وهو ولي كل صالح بعدي‏.‏ وهذا كما قال هود، عليه السلام، لما قال له قومه‏:‏ ‏{‏إِنْ نَقُولُ إِلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُون إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏54-56‏]‏ وكقول الخليل ‏[‏عليه السلام‏]‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلا رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ ‏[‏وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ‏]‏ ‏[‏الشعراء‏:‏75-80‏]‏ الآيات، وكقوله لأبيه وقومه ‏{‏إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏[‏الزخرف‏:‏26-28‏]‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ‏}‏ إلى آخر الآية، مؤكد لما تقدم، إلا أنه بصيغة الخطاب، وذلك بصيغة الغيبة؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ‏}‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ‏}‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ ‏[‏وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ‏}‏‏]‏‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏14‏]‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ‏}‏ إنما قال‏:‏ ‏{‏يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ‏}‏ أي‏:‏ يقابلونك بعيون مصورة كأنها ناظرة، وهي جماد؛ ولهذا عاملهم معاملة من يعقل؛ لأنها على صور مصورة كالإنسان، ‏[‏فقال‏]‏ ‏{‏وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ‏}‏ فعبر عنها بضمير من يعقل‏.‏

وقال السدي‏:‏ المراد بهذا المشركون وروي عن مجاهد نحوه‏.‏ والأول أولى، وهو اختيار ابن جرير، وقاله قتادة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏199 - 200‏]‏

‏{‏خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله‏:‏ ‏{‏خُذِ الْعَفْوَ‏}‏ يعني‏:‏ خذ ما عفا لك من أموالهم، وما أتوك به من شيء فخذه‏.‏ وكان هذا قبل أن تنزل ‏"‏براءة‏"‏ بفرائض الصدقات وتفصيلها، وما انتهت إليه الصدقات‏.‏ قاله السدي‏.‏

وقال الضحاك، عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏خُذِ الْعَفْوَ‏}‏ أنفق الفضل‏.‏ وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس‏:‏ قال الفضل‏.‏

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله‏:‏ ‏{‏خُذِ الْعَفْوَ‏}‏ أمره الله بالعفو والصفح عن المشركين عشر سنين، ثم أمره بالغلظة عليهم‏.‏ واختار هذا القول ابن جرير‏.‏

وقال غير واحد، عن مجاهد في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خُذِ الْعَفْوَ‏}‏ قال‏:‏ من أخلاق الناس وأعمالهم من غير تحسس‏.‏ وقال هشام بن عُرْوة، عن أبيه‏:‏ أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ العفو من أخلاق الناس‏.‏ وفي رواية قال‏:‏ خذ ما عفي لك من أخلاقهم‏.‏

وفي صحيح البخاري، عن هشام، عن أبيه عروة، عن أخيه عبد الله بن الزبير قال‏:‏ إنما أنزل ‏{‏خُذِ الْعَفْوَ‏}‏ من أخلاق الناس وفي رواية لغيره‏:‏ عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر‏.‏ وفي رواية‏:‏ عن هشام، عن أبيه، عن عائشة أنهما قالا مثل ذلك والله أعلم‏.‏

وفي رواية سعيد بن منصور، عن أبي معاوية، عن هشام، عن وهب بن كيسان، عن ابن الزبير‏:‏ ‏{‏خُذِ الْعَفْوَ‏}‏ قال‏:‏ من أخلاق الناس، والله لآخذنه منهم ما صحبتهم‏.‏ وهذا أشهر الأقوال، ويشهد له ما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم جميعا‏:‏ حدثنا يونس حدثنا سفيان -هو ابن عيينة -عن أمي قال‏:‏ لما أنزل الله، عز وجل، على نبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ‏}‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما هذا يا جبريل‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ إن الله أمرك أن تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك‏.‏ وقد رواه ابن أبي حاتم أيضا، عن أبي يزيد القراطيسي كتابة، عن أصْبَغ بن الفرج، عن سفيان، عن أُمَيّ عن الشعبي‏.‏ نحوه، وهذا -على كل حال -مرسل، وقد روي له شاهد من وجوه أخر، وقد روي مرفوعا عن جابر وقيس بن سعد بن عبادة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أسندهما ابن مردويه

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو المغيرة، حدثنا معاذ بن رفاعة، حدثني علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة الباهلي، عن عقبة بن عامر، رضي الله عنه، قال‏:‏ لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدأته، فأخذت بيده، فقلت‏:‏ يا رسول الله، أخبرني بفواضل الأعمال‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏يا عقبة، صل من قطعك، وأعط من حرمك، وأعرض عمن ظلمك‏"‏‏.‏ وروى الترمذي نحوه، من طريق عبيد الله بن زَحْر عن علي بن يزيد، به‏.‏ وقال حسن‏.‏ قلت‏:‏ ولكن ‏"‏علي بن يزيد‏"‏ وشيخه ‏"‏القاسم أبو عبد الرحمن‏"‏، فيهما ضعف‏.‏ وقال البخاري قوله‏:‏ ‏{‏خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ‏}‏ ‏"‏العرف‏"‏‏:‏ المعروف‏.‏ حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، أن ابن عباس قال‏:‏ قدم عيينة بن حصن بن حذيفة، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس -وكان من النفر الذين يدنيهم عمر -وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته -كُهولا كانوا أو شبابا -فقال عيينة لابن أخيه‏:‏ يابن أخي، لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه‏.‏ قال‏:‏ سأستأذن لك عليه‏.‏ قال ابن عباس‏:‏ فاستأذن الحر لعيينة، فأذن له عمر ‏[‏رضي الله عنه‏]‏ فلما دخل عليه قال‏:‏ هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل‏.‏ فغضب عمر حتى هم أن يوقع به، فقال له الحر‏:‏ يا أمير المؤمنين، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ‏}‏ وإن هذا من الجاهلين، والله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وَقَّافًا عند كتاب الله، عز وجل‏.‏ انفرد بإخراجه البخاري‏.‏

وقال ابن أبي حاتم‏:‏ حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني مالك بن أنس، عن عبد الله بن نافع؛ أن سالم بن عبد الله بن عمر مر على عير لأهل الشام وفيها جرس، فقال‏:‏ إن هذا منهي عنه، فقالوا‏:‏ نحن أعلم بهذا منك، إنما يكره الجُلْجُل الكبير، فأما مثل هذا فلا بأس به‏.‏ فسكت سالم وقال‏:‏ ‏{‏وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ‏}‏‏.‏

وقول البخاري‏:‏ ‏"‏العرف‏:‏ المعروف‏"‏ نص عليه عروة بن الزبير، والسُّدِّي، وقتادة، وابن جرير، وغير واحد‏.‏ وحكى ابن جرير أنه يقال‏:‏ أوليته عرفًا، وعارفًا، وعارفة، كل ذلك بمعنى‏:‏ ‏"‏المعروف‏"‏‏.‏ قال‏:‏ وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يأمر عباده بالمعروف، ويدخل في ذلك جميع الطاعات، وبالإعراض عن الجاهلين، وذلك وإن كان أمرا لنبيه صلى الله عليه وسلم فإنه تأديب لخلقه باحتمال من ظلمهم واعتدى عليهم، لا بالإعراض عمن جهل الحق الواجب من حق الله، ولا بالصفح عمن كفر بالله وجهل وحدانيته، وهو للمسلمين حرب‏.‏

وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة في قوله‏:‏ ‏{‏خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ‏}‏ قال‏:‏ هذه أخلاق أمر الله ‏[‏عز وجل‏]‏ بها نبيه صلى الله عليه وسلم، ودله عليها‏.‏

وقد أخذ بعض الحكماء هذا المعنى، فسبكه في بيتين فيهما جناس فقال‏:‏

خُذ العفو وأمر بعُرفٍ كَمَا *** أُمِرتَ وأعْرض عن الجَاهلين

وَلِنْ في الكَلام لكُلِّ الأنام *** فَمُسْتَحْسَن من ذَوِي الجاه لين

وقال بعض العلماء‏:‏ الناس رجلان‏:‏ فرجل محسن، فخذ ما عفا لك من إحسانه، ولا تكلفه فوق طاقته ولا ما يحرجه‏.‏ وإما مسيء، فمره بالمعروف، فإن تمادى على ضلاله، واستعصى عليك، واستمر في جهله، فأعرض عنه، فلعل ذلك أن يرد كيده، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏96-98‏]‏

وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا‏}‏ أي هذه الوصية ‏{‏إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏34-36‏]‏ وقال في هذه السورة الكريمة أيضا‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏ فهذه الآيات الثلاث في ‏"‏الأعراف‏"‏ و‏"‏المؤمنون‏"‏ و‏"‏حم السجدة‏"‏، لا رابع لهن، فإنه تعالى يرشد فيهن إلى معاملة العاصي من الإنس بالمعروف والتي هي أحسن، فإن ذلك يكفه عما هو فيه من التمرد بإذنه تعالى؛ ولهذا قال‏:‏ ‏{‏فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ‏}‏ ثم يرشد تعالى إلى الاستعاذة به من شيطان الجان، فإنه لا يكفه عنك الإحسان، وإنما يريد هلاكك ودمارك بالكلية، فإنه عدو مبين لك ولأبيك من قبلك‏.‏

قال ابن جرير في تفسير قوله‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ‏}‏ وإما يُغْضبَنَّك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهلين ويحملك على مجازاتهم ‏{‏فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ‏}‏ يقول‏:‏ فاستجر بالله من نزغه ‏{‏سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏ يقول‏:‏ إن الله الذي تستعيذ به من نزغ الشيطان سميع لجهل الجاهل عليك، والاستعاذة به من نزغه، ولغير ذلك من كلام خلقه، لا يخفى عليه منه شيء، عليم بما يذهب عنك نزغ الشيطان، وغير ذلك من أمور خلقه‏.‏

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم‏:‏ لما نزل‏:‏ ‏{‏خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ‏}‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏يا رب، كيف بالغضب‏؟‏‏"‏ فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا يَنزغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نزغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ‏}‏ قلت‏:‏ وقد تقدم في أول الاستعاذة حديث الرجلين اللذين تسابا بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فغضب أحدهما حتى جعل أنفه يتمزع غضبًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد‏:‏ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم‏"‏‏.‏ فقيل له، فقال‏:‏ ما بي من جنون‏.‏ وأصل ‏"‏النزغ‏"‏‏:‏ الفساد، إما بالغضب أو غيره، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزغُ بَيْنَهُمْ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏53‏]‏ و‏"‏العياذ‏"‏‏:‏ الالتجاء والاستناد والاستجارة من الشر، وأما ‏"‏الملاذ‏"‏ ففي طلب الخير، كما قال أبو الطيب ‏[‏الحسن بن هانئ‏]‏ المتنبي‏:‏

يَا مَنْ ألوذُ به فيمَا أؤمِّلُه *** وَمَنْ أعوذُ به مما أحَاذرُه

لا يَجْبر الناس عَظمًا أنت كاسرُه *** ولا يَهِيضُون عَظمًا أنت جَابِره

وقد قدمنا أحاديث الاستعاذة في أول التفسير، بما أغنى عن إعادته هاهنا‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏201 - 202‏]‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ‏}‏

يخبر تعالى عن المتقين من عباده الذين أطاعوه فيما أمر، وتركوا ما عنه زجر، أنهم ‏{‏إِذَا مَسَّهُمْ‏}‏ أي‏:‏ أصابهم ‏"‏طيف‏"‏ وقرأ آخرون‏:‏ ‏"‏طائف‏"‏، وقد جاء فيه حديث، وهما قراءتان مشهورتان، فقيل‏:‏ بمعنى واحد‏.‏ وقيل‏:‏ بينهما فرق، ومنهم من فسر ذلك بالغضب، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصرع ونحوه، ومنهم من فسره بالهم بالذنب، ومنهم من فسره بإصابة الذنب‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏تَذَكَّرُوا‏}‏ أي‏:‏ عقاب الله وجزيل ثوابه، ووعده ووعيده، فتابوا وأنابوا، واستعاذوا بالله ورجعوا إليه من قريب‏.‏ ‏{‏فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ‏}‏ أي‏:‏ قد استقاموا وصحوا مما كانوا فيه‏.‏

وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه هاهنا حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال‏:‏ جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبها طيف فقالت‏:‏ يا رسول الله، ادع الله أن يشفيني‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏إن شئت دعوت الله فشفاك، وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك‏"‏‏.‏ فقالت‏:‏ بل أصبر، ولا حساب علي‏.‏ ورواه غير واحد من أهل السنن، وعندهم‏:‏ قالت يا رسول الله، إني أصرع وأتكشف، فادع الله أن يشفيني‏.‏ فقال إن شئت دعوت الله أن يشفيك، وإن شئت صبرت ولك الجنة‏؟‏‏"‏ فقالت‏:‏ بل أصبر، ولي الجنة، ولكن ادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها، فكانت لا تتكشف‏.‏ وأخرجه الحاكم في مستدركه، وقال‏:‏ صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه‏.‏

وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة ‏"‏عمرو بن جامع‏"‏ من تاريخه‏:‏ أن شابًا كان يتعبد في المسجد، فهويته امرأة، فدعته إلى نفسها، وما زالت به حتى كاد يدخل معها المنزل، فذكر هذه الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ‏}‏ فخر مغشيًا عليه، ثم أفاق فأعادها، فمات‏.‏ فجاء عمر فَعزَّى فيه أباه وكان قد دفن ليلا فذهب فصلى على قبره بمن معه، ثم ناداه عمر فقال‏:‏ يا فتى ‏{‏وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏46‏]‏ وأجابه الفتى من داخل القبر‏:‏ يا عمر، قد أعطانيهما ربي، عز وجل، في الجنة مرتين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِخْوَانِهِمْ‏}‏ أ‏:‏ي وإخوان الشياطين من الإنس، كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏27‏]‏ وهم أتباعهم والمستمعون لهم القابلون لأوامرهم ‏{‏يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ‏}‏ أي‏:‏ تساعدهم الشياطين على ‏[‏فعل‏]‏ المعاصي، وتسهلها عليهم وتحسنها لهم‏.‏

وقال ابن كثير‏:‏ المد‏:‏ الزيادة‏.‏ يعني‏:‏ يزيدونهم في الغي، يعني‏:‏ الجهل والسفه‏.‏

‏{‏ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ‏}‏ قيل‏:‏ معناه إن الشياطين تمد، والإنس لا تقصر في أعمالهم بذلك‏.‏ كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ‏}‏ قال‏:‏ لا الإنس يقصرون عما يعملون من السيئات، ولا الشياطين تمسك عنهم‏.‏

قيل‏:‏ معناه كما رواه العوفي، عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ‏}‏ قال‏:‏ هم الجن، يوحون إلى أوليائهم من الإنس ‏{‏ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ‏}‏ يقول‏:‏ لا يسأمون‏.‏

وكذا قال السُّدِّي وغيره‏:‏ يعني إن الشياطين يمدون أولياءهم من الإنس ولا تسأم من إمدادهم في الشر؛ لأن ذلك طبيعة لهم وسَجِيَّة، لا تفتر فيه ولا تبطل عنه، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏83‏]‏ قال ابن عباس وغيره‏:‏ تزعجهم إلى المعاصي إزعاجا‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏203‏]‏

‏{‏وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآَيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏

قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا‏}‏ يقول‏:‏ لولا تلقيتها‏.‏ وقال مرة أخرى‏:‏ لولا أحدثتها فأنشأتها‏.‏

وقال ابن جرير عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد في قوله ‏[‏تعالى‏]‏ ‏{‏وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا‏}‏ قال‏:‏ لولا اقتضيتها، قالوا‏:‏ تخرجها عن نفسك‏.‏ وكذا قال قتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير‏.‏

وقال العوفي، عن ابن عباس ‏[‏رضي الله عنه‏]‏ ‏{‏لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا‏}‏ يقول‏:‏ تلقيتها من الله، عز وجل‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ ‏{‏لَوْلا اجْتَبَيْتَهَا‏}‏ يقول‏:‏ لولا أخذتها أنت فجئت بها من السماء‏.‏

ومعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ‏}‏ أي‏:‏ معجزة، وخارق، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنْ نَشَأْ نُنزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏4‏]‏ يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم‏:‏ ألا تجهد نفسك في طلب الآيات ‏[‏من الله‏]‏ حتى نراها ونؤمن بها، قال الله تعالى له‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي‏}‏ أي‏:‏ أنا لا أتقدم إليه تعالى في شيء، وإنما أتبع ما أمرني به فأمتثل ما يوحيه إلي، فإن بعث آية قبلتها، وإن منعها لم أسأله ابتداء إياها؛ إلا أن يأذن لي في ذلك، فإنه حكيم عليم‏.‏

ثم أرشدهم إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات، وأبين الدلالات، وأصدق الحجج والبينات، فقال‏:‏ ‏{‏هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ‏}‏

تفسير الآية رقم ‏[‏204‏]‏

‏{‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏}‏

لما ذكر تعالى أن القرآن بصائر للناس وهدى ورحمة، أمر تعالى بالإنصات عند تلاوته إعظامًا له واحترامًا، لا كما كان يعتمده كفار قريش المشركون في قولهم‏:‏ ‏{‏لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ ‏[‏لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ‏]‏ ‏[‏فصلت‏:‏26‏]‏ ولكن يتأكد ذلك في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة كما ورد الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه، من حديث أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا‏"‏ وكذلك رواه أهل السنن من حديث أبي هريرة وصححه مسلم بن الحجاج أيضا، ولم يخرجه في كتابه وقال إبراهيم بن مسلم الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة قال‏:‏ كانوا يتكلمون في الصلاة، فلما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ ‏[‏وَأَنْصِتُوا‏]‏‏}‏ والآية الأخرى، أمروا بالإنصات‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن عاصم، عن المسيب بن رافع، قال ابن مسعود‏:‏ كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة‏:‏ سلام على فلان، وسلام على فلان، فجاء القرآن ‏{‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏}‏ وقال أيضا‏:‏ حدثنا أبو كريب، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن بشير بن جابر قال‏:‏ صلى ابن مسعود، فسمع ناسًا يقرءون مع الإمام، فلما انصرف قال‏:‏ أما آن لكم أن تفهموا‏؟‏ أما آن لكم أن تعقلوا‏؟‏ ‏{‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا‏}‏ كما أمركم الله‏.‏ قال‏:‏ وحدثني أبو السائب، حدثنا حفص، عن أشعث، عن الزهري قال‏:‏ نزلت هذه الآية في فتى من الأنصار، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما قرأ شيئا قرأه، فنزلت‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا‏}‏ وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن، من حديث الزهري، عن أبي أُكَيْمضة الليثي، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال‏:‏ ‏"‏هل قرأ أحد منكم معي آنفا‏؟‏‏"‏ قال رجل‏:‏ نعم يا رسول الله‏.‏ قال إني أقول‏:‏ ما لي أنازع القرآن‏؟‏‏"‏ قال‏:‏ فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ ‏"‏هذا حديث حسن‏"‏‏.‏ وصححه أبو حاتم الرازي‏.‏

وقال عبد الله بن المبارك، عن يونس عن الزهري قال‏:‏ لا يقرأ من وراء الإمام فيما يجهر به الإمام، تكفيهم قراءة الإمام وإن لم يسمعهم صوته، ولكنهم يقرءون فيما لا يجهر به سرًا في أنفسهم، ولا يصلح لأحد خلفه أن يقرأ معه فيما يجهر به سرًا ولا علانية، فإن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ‏}‏‏.‏

قلت‏:‏ هذا مذهب طائفة من العلماء‏:‏ أن المأموم لا يجب عليه في الصلاة الجهرية قراءة فيما جهر فيه الإمام لا الفاتحة ولا غيرها، وهو أحد قولي الشافعي، وهو القديم كمذهب مالك، ورواية عن أحمد بن حنبل، لما ذكرناه من الأدلة المتقدمة‏.‏ وقال في الجديد‏:‏ يقرأ الفاتحة فقط في سكتات الإمام، وهو قول طائفة من الصحابة والتابعين فمن بعدهم‏.‏ وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل‏:‏ لا يجب على المأموم قراءة أصلا في السرية ولا الجهرية، لما ورد في الحديث‏:‏ ‏"‏من كان له إمام فقراءته له قراءة‏"‏‏.‏ وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده عن جابر مرفوعًا، وهو في موطأ مالك عن وهب بن كيسان، عن جابر موقوفًا، وهذا أصح‏.‏ وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع وقد أفرد لها الإمام أبو عبد الله البخاري مصنفًا على حدة واختار وجوب القراءة خلف الإمام في السرية والجهرية أيضا، والله أعلم‏.‏

وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا‏}‏ يعني‏:‏ في الصلاة المفروضة‏.‏ وكذا روي عن عبد الله بن المغفل‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ حدثنا حُمَيْد بن مَسْعَدة، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا الجريري، عن طلحة بن عبيد الله بن كَرِيزَ قال‏:‏ رأيت عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح يتحدثان، والقاص يقص، فقلت‏:‏ ألا تستمعان إلى الذكر وتستوجبان الموعود‏؟‏ قال‏:‏ فنظرا إلي، ثم أقبلا على حديثهما‏.‏ قال‏:‏ فأعدت فنظرا إلي، وأقبلا على حديثهما‏.‏ قال‏:‏ فأعدت الثالثة، قال‏:‏ فنظرا إلي فقالا إنما ذلك في الصلاة‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا‏}‏ وقال سفيان الثوري، عن أبي هاشم إسماعيل بن كثير، عن مجاهد في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا‏}‏ قال‏:‏ في الصلاة‏.‏ وكذا رواه غير واحد عن مجاهد‏.‏

وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد قال‏:‏ لا بأس إذا قرأ الرجل في غير الصلاة أن يتكلم‏.‏

وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والشعبي، والسدي، وعبد الرحمن ابن زيد بن أسلم‏:‏ أن المراد بذلك في الصلاة‏.‏

وقال شعبة، عن منصور، سمعت إبراهيم بن أبي حرة يحدث أنه سمع مجاهدا يقول في هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا‏}‏ قال‏:‏ في الصلاة والخطبة يوم الجمعة‏.‏ وكذا روى ابن جريج عن عطاء، مثله‏.‏

وقال هُشَيْم، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن قال‏:‏ في الصلاة وعند الذكر‏.‏

وقال ابن المبارك، عن بَقِيَّة‏:‏ سمعت ثابت بن عجلان يقول‏:‏ سمعت سعيد بن جبير يقول في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا‏}‏ قال‏:‏ الإنصات يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام من الصلاة‏.‏ وهذا اختيار ابن جرير أن المراد بذلك ‏[‏الإنصات في الصلاة وفي الخطبة؛ لما جاء في الأحاديث من الأمر بالإنصات‏]‏ خلف الإمام وحال الخطبة‏.‏

وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن ليث، عن مجاهد أنه كره إذا مر الإمام بآية خوف أو بآية رحمة أن يقول أحد من خلفه شيئا، قال‏:‏ السكوت‏.‏

وقال مبارك بن فَضَالة، عن الحسن‏:‏ إذا جلست إلى القرآن، فأنصت له‏.‏

وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عباد بن ميسرة، عن الحسن، عن أبي هريرة، رضي الله عنه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من استمع إلى آية من كتاب الله، كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة‏"‏‏.‏ تفرد به أحمد رحمه الله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏205 - 206‏]‏

‏{‏وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ‏}‏

يأمر تعالى بذكره أول النهار وآخره، كما أمر بعبادته في هذين الوقتين في قوله‏:‏ ‏{‏وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ‏}‏ ‏[‏ق‏:‏39‏]‏ وقد كان هذا قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء، وهذه الآية مكية‏.‏

وقال هاهنا بالغدو -وهو أوائل النهار‏:‏ ‏{‏وَالآصَالِ‏}‏ جمع أصيل، كما أن الأيمان جمع يمين‏.‏

وأما قوله‏:‏ ‏{‏تَضَرُّعًا وَخِيفَةً‏}‏ أي‏:‏ اذكر ربك في نفسك رهبة ورغبة، وبالقول لا جهرًا؛ ولهذا

قال‏:‏ ‏{‏وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ‏}‏ وهكذا يستحب أن يكون الذكر لا يكون نداء و‏[‏لا‏]‏ جهرًا بليغًا؛ ولهذا لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه‏؟‏ فأنزل الله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏186‏]‏ وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري قال‏:‏ رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أيها الناس، أربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا؛ إن الذي تدعونه سميع قريب‏"‏ وقد يكون المراد من هذه الآية كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏110‏]‏ فإن المشركين كانوا إذا سمعوا القرآن سبوه، وسبوا من أنزله، و‏[‏سبوا‏]‏ من جاء به؛ فأمره الله تعالى ألا يجهر به، لئلا ينال منه المشركون، ولا يخافت به عن أصحابه فلا يسمعهم، وليتخذ سبيلا بين الجهر والإسرار‏.‏ وكذا قال في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ‏}‏ وقد زعم ابن جرير وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم قبله‏:‏ أن المراد بهذه الآية‏:‏ أمر السامع للقرآن في حال استماعه بالذكر على هذه الصفة‏.‏ وهذا بعيد مناف للإنصات المأمور به، ثم المراد بذلك في الصلاة، كما تقدم، أو الصلاة والخطبة، ومعلوم أن الإنصات إذ ذاك أفضل من الذكر باللسان، سواء كان سرًا أو جهرًا، فهذا الذي قالاه لم يتابعا عليه، بل المراد الحض على كثرة الذكر من العباد بالغدو والآصال، لئلا يكونوا من الغافلين؛ ولهذا مدح الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ ‏[‏وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ‏]‏‏}‏ وإنما ذكرهم بهذا ليتشبه بهم في كثرة طاعتهم وعبادتهم؛ ولهذا شرع لنا السجود هاهنا لما ذكر سجودهم لله، عز وجل، كما جاء في الحديث‏:‏ ‏"‏ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها، يتمون الصفوف الأوَل، ويتَراصُّون في الصف‏"‏‏.‏ وهذه أول سجدة في القرآن، مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود بالإجماع‏.‏ وقد ورد في حديث رواه ابن ماجة، عن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عدها في سجدات القرآن

آخر ‏[‏تفسير‏]‏ سورة الأعراف، ولله الحمد والمنة‏.‏